الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
247
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
لما قررناه هناك وأما بالنسبة إلى الضد الخاص فالقول بدلالة النهي على إيجابه هو بعينه مذهب الكعبي حيث زعم أن ترك الحرام لا يتم إلا بفعل من الأفعال فيكون النهي عن الشيء قاضيا بإيجاب واحد منها فيكون الجميع واجبا على سبيل التخيير ولذا ذهب إلى نفي المباح وقد عرفت وهن ما ذكره وأن ترك الشيء لا يتوقف على فعل ضد من أضداده بل يكفي في حصوله عدم إرادة الفعل والفرق بينه وبين إيجاد الشيء واضح فإنه يتوقف على ترك ضده حسبما مر وكون فعل الضد متوقفا على ترك ضده لا يقضي بكون فعل الضد مقدمة لترك ضده أيضا بل يقضي ذلك بخلافه وإلا لزم الدور نعم غاية الأمر أن يكون فعل الضد من أحد أسباب ترك الضد وهو لا يقضي بثبوت التوقف عليه لما عرفت من أن سببيّته شأنية وهو مسبوق أبدا بسبب آخر يتقدم عليه فلا يتصف بالوجوب من تلك الجهة وأنت بملاحظة ما ذكرناه تعرف الفرق بين هذه المسألة ومسألة اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده في المقامين فالقول بأن النزاع فيه بعينه النزاع في الأمر حسبما ذكره كما ترى وكأنه لذا عبر في النهاية عن الخلاف في ذلك بأن من الناس من طرد البحث في النهي فقال النهي عن الشيء أمر بضده وهو اختيار القاضي أبي بكر وهذا كما ترى يفيد التفاوت في الخلاف بحسب المقامين ثم إن ما حكاه عن القاضي يفيد ذهابه إلى مقالة الكعبي حسبما عرفت بعد تنزيل الضد في كلامه على الضد الخاص أو الأعم منه ومن العام وقد ذكر في جملة احتجاج القاضي على ذلك بأن النهي طلب ترك فعل والترك فعل الضد فيكون أمرا بالضد وهذا كما ترى أحد تقريرات شبهة الكعبي في القول بنفي المباح بعد حمل الضد في كلامه على الخاص هذا وذكر العلامة رحمه الله في النهاية بعد ذلك أن التحقيق أن النهي طلب الإخلال بالشيء وهو يستلزم الأمر بما لا يصح الإخلال بالمنهي عنه إلا معه فإن كان المنهي عنه لا يمكن الانصراف عن المنهي عنه إلا إليه كان النهي دليلا على وجوبه بعينه وإن كان له أضداد كثيرة لا يمكن الانصراف عنه إلا إلى واحد منها كان النهي في حكم الأمر بها أجمع على البدل وأنت خبير بما فيه فإن مجرد عدم إمكان الانصراف عنه إلا إلى واحد منها لا يقضي بوجوبها إذ قد يكون ذلك من لوازم وجود المكلف حسبما مر فيمنع انفكاك ترك الحرام عن التلبس بواحد منها وذلك غير مسألة التوقف كيف ولوازم الواجب مما لا يمكن فعل الواجب بدونها ولا توقف له عليها ولا يقضي وجوب الواجب بدونها كما مر فالقول بالدلالة في الصورة المفروضة أيضا فاسدة إلا أن يحصل هناك توقف للترك على بعض الأضداد أو واحد منها فيجب الإتيان به لأجل ذلك على حسبما مر وذلك أمر آخر نعم لو اتحد الضد كالحركة والسكون لم يبعد بأن يكون مفاد النهي عن أحدهما هو الأمر بالآخر إذ لا فرق عرفا بين أن يقول اسكن أو لا تتحرك فذلك أيضا أمر آخر يرجع إلى دلالة العرف في خصوص المقام ولا ربط له بما لوحظ في هذا العنوان خامسها أن النهي عن الشيء تنزيلها هل يدل على الأمر بضده استحبابا أو لا وقد ظهر الحال مما مر فيه أما بالنسبة إلى الضد العام فقد عرفت أن الأمر بضده عين مفاد الكراهة إذ مفاد النهي المفروض طلب تركه على وجه الرجحان الغير المانع من النقيض فليس ذلك حكما آخر ثابتا للضد بل هو عين مفاد النهي عنه كذلك حسبما مر نظيره وأما بالنسبة إلى الضد الخاص فقد عرفت أنه لا دلالة فيه عليه إلا إذا فرض توقف الترك على واحد منها في خصوص بعض المقامات أو كان الإتيان بالضد رافعا له كما في بعض الفروض حسبما مر بيانه فيفيد ذلك إذن رجحان ذلك الفعل رجحانا من تلك الجهة غير مانع من النقيض فلا ينافي ذلك وجوبه من جهة أخرى أو كراهته كذلك إذ ليس ذلك حينئذ إلا جهة مرجحة ثابتة له كذلك وقد عرفت أن ثبوت الجهات المتخالفة في الفعل مما لا مانع منه والحكم الشرعي يتبع الجهة الأقوى ومع التساوي والتخالف في المقتضى يتخير بينهما ولو اتحد الضد كالحركة والسكون كان الحال فيه هنا على نحو ما مر في النهي التحريمي سادسها لو حكم الشارع بإباحة فعل أفاد ذلك إباحة ضده العام قطعا بل هو عين مفاد إباحته إذ حقيقة الإباحة تساوي طرفي الفعل والترك وأما أضداده الخاصة فلا دلالة فيه على إباحتها أصلا نعم هي من حيث تحقق ترك المباح بها كما في بعض الفروض لا رجحان فيها ولا مرجوحية وهو لا يفيد شيئا لوضوح أن الواجب أو المندوب أو الحرام لا يجب أن يكون كذلك من جميع الوجوه نعم لو اتحد ضد المباح إفادة إباحته لعين ما مر [ أصل في الواجب التخييري ] قوله المشهور بين أصحابنا لما كان حقيقة الوجوب متقومة بالمنع من الترك وكان جملة من الواجبات كالواجب التخييري والموسع مما يجوز تركها في الجملة وقع الإشكال هناك في متعلق الوجوب بحيث يرتفع المنافاة التي يتراءى بين الوجوب وجواز الترك ولذا وقع الخلاف بينهم في عدة من الواجبات مما شأنها ذلك وعقدوا لكل منها ومن جملتها الواجب التخييري ويمكن تقرير الإشكال فيه بأن الوجوب هناك إما أن يتعلق بكل واحد من الأفعال المعينة أو بالمجموع أو بواحد معين أو بواحد غير معين ولا سبيل إلى شيء منها أما الأول والثاني فللزوم عدم حصول الامتثال بأداء واحد منها هو خلاف الإجماع وأما الثالث فلاختصاص الوجوب هناك بذلك الفعل فيتعين الإتيان به دون غيره وأما الرابع فللزوم عدم حصول الامتثال بكل واحد من تلك الأفعال وهو أيضا خلاف الإجماع مضافا إلى أن الوجوب صفة معينة فلا يعقل تعلقه بأمر مهم بحسب الواقع وقد اختاروا لدفع الإشكال في المقام وجوها [ بيان الأقوال في الواجب التخييري . ] وقد اختلفت من جهته الأقوال في الواجب التخييري [ القول الأول ] منها ما اختاره كثير من أصحابنا كالسيد والشيخ والمحقق والعلامة في بعض كتبه وعزى القول به إلى المعتزلة وإلى جمهورهم بل عزاه في المنية إلى أصحابنا موذنا بإطباقهم عليه وهو القول بقيام الوجوب بكل واحد من الأفعال المفروضة لكن على سبيل التخيير بمعنى كون ذلك الفعل مطلوبا للأمر بحيث لا يرضى بتركه وترك أبداله وقد عبروا عن ذلك بأنه لا يجب الجميع ولا يجوز الإخلال بالجميع وأرادوا بعدم وجوب الجميع عدم وجوب كل منها على سبيل التعيين وبعدم جواز الإخلال بالجميع عدم جواز ترك الجميع على سبيل السلب الكلي فالوجوب القائم بكل منها أنما هو بالمعنى الذي ذكرناه وتوضيح المقام أن حقيقة الوجوب كما عرفت هي مطلوبية الفعل على سبيل الجزم والحتم في الجملة بأن يريد الآمر صدور الفعل من المكلف ولا يرضى بتركه في الجملة فإذا أمر المكلف بأفعال عديدة على سبيل التخيير بينها فقد أراد حصول كل واحد منها على وجه المنع من ترك الجميع بأن لا يكون تاركا للكل فالمنع من الترك المأخوذ فصلا للوجوب حاصل في ذلك كما أنه حاصل في الوجوب التعييني وتفصيل ذلك أن الطلب المتعلق بالفعل